أحمد بن يحيى العمري

304

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وسط جماعة عليهم أقبية ، قعود على دكة المؤذنين ، فابتدأ بالتكبير أولا وثانيا بمفرده من غير إعانة ولا إبانة ، ولمّا تشهد ساعدوه جميعهم بأصوات مجمجمة ملعلعة ، ونغمات متنوعة يحيكون له النغم بأطيب تلحين ، ويترنمون بالأصوات إلى آخر التأذين ، وفرغ الآذان ، وكلهم قعود ، ما منهم أحد غير الصبي قد وقف وما منا أحد لكلمة من الأذان عرف ، ولما فرغ الآذان ، طلع شيخ كبير السن يعرف بأمير محفل المنبر ، فصعد ذروة المنبر ، وشرع في دعاء لا نعرفه ، وادعاء لا نألفه ، كأنه مخاصم أو وكيل شرع أحضره لمشاورة خصمه خصم بين يدي حاكم ، وطلع الخطيب بعد ذلك فخطب ، ودعا للسلطان بغير مشاركة ، وانفضت الجمعة على هذه الصورة المسطورة . وضربت السكة باسم السلطان ، وأحضرت الدراهم إليه في هذا اليوم فشاهدنا وجها متهللا باسمه الميمون ، وأقرت الألسنة [ 1 ] بهذه النعمة ، وقرت العيون ، وشاهدت بقيصرية مدارس وخوانق وربطا ، تدل على اهتمام بانيها ، ورغبتهم في العلوم الشريفة ، مشتدة بأحسن الحجار الحمر المصقولة المنقوشة وأراضيها بأجمل ذلك مفروشة ، وأواينها وصففها مؤزرة بالقاشاني الأجمل صورة ، وجميعها مفروشة بالبسط الكرخية [ 2 ] والقالية [ 3 ] ، وفيها المياه الجارية ، ولها الشبابيك على البساتين الحسنة . وسوق قيصرية طائف بها من حولها ، وليس داخل المدينة دكان ولا سوق ، والوزير في بلاد الروم يعرف ( المخطوط ص 150 ) بالصاحب فخر الدين خواجا علي ، وهو لا يحسن الكتابة ، ولا الخط ، وخلفه من مماليكه خاصة مائتا مملوك ، ودخله غير دخل أولاده وغير الإقطاعات التي له ولأولاده وخواصه سبعة آلاف درهم